التصعيد في شبوة والهدف مأرب

لم يعد في مقدور أحد في أطراف تحالف الشرعية في اليمن إخفاء نواياه تجاه الآخر، فقد كشفت الجميع أحداثُ أغسطس/ آب 2019، التي سيطر خلالها المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتياً، على عدن، وأجزاء من محافظات أبين، ولحج، والضالع، ومحاولة الحكومة الشرعية استعادة هذه المناطق. لقد باتت الثقة مفقودةً تماماً بين الجميع، وليس لذلك من سببٍ رئيس سوى أن الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي لا يقفان على أرضيةٍ مشتركة، تقرّبهما من الحل؛ ذلك أن غاية الحكومة الشرعية تحقيق النظام الاتحادي، وغاية المجلس الانتقالي تحقيق انفصال الجنوب عن الشمال.


وقد زاد من عمق هذه الفجوة انكشاف الدعم العسكري الإماراتي للمجلس الانتقالي، في أحداث أغسطس/ آب، واستمرار ذلك، على الرغم من التوقيع على اتفاق الرياض، الذي جمع بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي، في 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، لتسوية الخلاف الطارئ بينهما، والمضي في تنفيذ ما اتُفق عليه خلال تسعين يوماً، وتأجيل النقاش بشأن المسألة الجنوبية إلى ما بعد الانتهاء من الأزمة الأساسية، وهي دحر انقلاب الحوثيين الذين سيطروا على السلطة في 21 سبتمبر/ أيلول 2014.


بعد مرور ثلثي المدّة المقررة لتنفيذ الاتفاق، ليس ثمّة ما يستدعي التفاؤل بنجاحه، فما يجري يصب في اتجاهاتٍ نقيضةٍ لمضمونه، ومثال ذلك التموضعات الجديدة لقوات المجلس الانتقالي في محافظة أبين (مسقط رأس الرئيس عبد ربه منصور هادي)، ومحاولة تحقيق موطئ قدم لها في محافظة شبوة، تعويضاً لخساراتها الكاملة فيها، في أثناء أحداث أغسطس/ آب، ولوضع مشهد الأحداث على عتبةٍ أخرى، وواقع جديد، له ما بعده، وذلك ما تواجه، بشدة، القوات الحكومية، على الرغم من خذلان التحالف، وتباطؤه في تنفيذ الاتفاق، فلقد بدأ المجلس الانتقالي، وفي ظلال التحالف، وضع نواة أولى ثكناته في معسكر العَلَم، في محافظة شبوة، الخاضع للقوات الإماراتية؛ مستقطباً فلول قوات النخبة الشبوانية المناوئين للسلطة المحلية في المحافظة؛ تمهيداً للسيطرة على المحافظة بطريقة طروادية؛ إذ ليس بعد إعادة تجميع قوات النخبة وترتيبها سوى التمدّد وإسقاط مركز المحافظة (مدينة عَتق)، وقطع الاتصال الجغرافي مع مختلف القوات الحكومية؛ لعزلها عن مركز قيادتها، في المنطقة العسكرية الثالثة الواقعة في مدينة مأرب، وهي المحافظة الشمالية الوحيدة التي تسيطر عليها القوات الحكومية الموالية للرئيس هادي، سيطرة شبه كاملة.

يثير التصعيد الخطير في محافظتي أبين وشبوة توجّساتٍ أمنيةٍ شديدة، وإذا ما صدقت، فإن أقوى المعاقل الموالية للرئيس هادي، وهي محافظة مأرب، قد تعزل فجأة، بمجرد السيطرة على شبوة، وتوقف قوات المجلس الانتقالي عند الحدود الشطرية، ما قبل 22 مايو/ أيار 1990. ومثل ذلك في محافظة تعز التي سيكون موقف القوات الحكومية فيها صعباً للغاية؛ لأن القوات المشتركة التي تسيطر على الساحل الغربي ليست على وفاقٍ معها، سواء قوات العمالقة والمقاومة التهامية التي يمثل الجنوبيون 90% منها، أو القوات التي تخضع للعميد طارق صالح، ابن أخ الرئيس السابق، علي عبدالله صالح، وكلها قواتٌ مدعومة إماراتياً، فضلاً عن القوات الواقعة على الجانب الآخر، وهي قواتٌ جنوبية انفصالية، وقوات الحوثيين.

ملامح التهديد الذي تواجهه مأرب، أنها قد تسقط، برعاية التحالف، من داخلها، عبر انقلاب عسكري، يمكن أن يسوّق للرأي العام أنه حركة تصحيحية، في وقت تكون معزولةً عن شبوة، وسيجري عزلها عن حضرموت التي لن يكون موقف القوات والسلطات الحكومية فيها أحسن مما اتخذته في أثناء انقلاب الحوثيين عام 2014، وهو الحياد، وقد يُغري الموقف الحرج الذي تمرّ به مأرب الحوثيين، بمحاولة اقتحامها، استباقاً لسيناريو السيطرة السابق.

مؤسفٌ أنه إذا ما سارت الأحداث في شبوة، وأبين، وعدن، على النحو الراهن، واستمر التحالف في انتهاج سياسة التفكيك التدريجي للسلطة الشرعية؛ فإن أحداث اليمن خلال عام 2020 ستكون مختلفة تماماً، وليس ذلك، قطعاً، تحقق انفصال الجنوب، واستتباب الأمر للحوثيين في الشمال، وتوقف الحرب؛ كلّا، بل إن دوامةً من العنف المسلح ستتسع بؤرها، ويتكاثر أمراء الحرب، على نحو ما جرى في الحرب الأفغانية - السوفييتية، في ثمانينيات القرن الماضي، مع عودة وشيكة لنشاط تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية (داعش)؛ وعندئذ لن يكون للتحالف من قبول على الأرض؛ لأن اللعبة انكشفت.

*مقال للكاتب في العربي الجديد


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->