الطريق إلى الحرية

في لحظة مظلمة من عمر اليمن انبعثت كوكبة من رجال العلم، والسياسة، والعسكرية، والتجارة، والوجهات الاجتماعية، لتختط بوعيها وجهودها وبسالتها وتضحياتها، وحبها لليمن، طريقاً إلى الحرية، والمواطنة، في ظل حكم كهنوتي جعل من التدين المغشوش، قناعاً لتحقيق مطامعه، والتغرير بعامة الشعب القابعين خارج العصر، حتى صار في عقيدتهم أن الإمامة يجب أن تكون حكرا على البطنين، وأن الإمام هو القبلة، وليس بمسلم من يحارب قبلته، كما صار من جملة الاعتقاد أن رضى الإمام من رضى الله، ومن عاداه دخل النار.

فهو ابن رسول الله وليس فوق يده الا يد الله، يتصرف كيف يشاء وليس من حق أحد مساءلته فيما يقضي ويتصرف. ومن عارضه بقلبه فهو مخطئ، ومن عارضه بلسانه فهو فاسق، ومن عارضه بيده فهو محارب.

وإذا كنت ممن وقع في حقك إجرام الإمام أو عايشته في غيرك فليس أمامك إلا الاعتصام بنية السيد، ولهم في قول الإمام عبدالله بن حمزة قاعدة: "لا فرق بين أعمالنا وأعمال الطغاة إلا بالنية".

في هذه اللحظة السياسية والدينية الحالكة، وفي ظل واقع اقتصادي وصحي بائس انبرى رواد ثورة ثمانية واربعين يشعلون أرواحهم قناديل لإضاءة الدرب، وتمزيق جوف الظلم والظلام، تدارسوا الواقع وشرّحوه، خططوا للتغيير وانتهجوه، وكسروا جدار الخوف، وهدموا صنمية الإمامة، وتجشموا الصعاب، وكابدوا الظروف، وغالبوا المخاطر، وضحوا بالنفس والنفيس، فكان منهم الشهيد، والسجين، والنازح، والمهاجر، في ملحمة من العمل المتفاني، والفدائية العاشقة، سُجلت بعض ملامحها في مذكرات العزي السنيدار: "الطريق إلى الحرية".

يشعر القارئ بالحسرة وهو يعيش مفردات الوجع، ويمتلئ بالعظمة وهو يتعرف على طيف واسع من المتصدرين لمشروع التغيير، الذين خرجوا من عمق المأساة ليكونوا قنطرة العبور إلى اليمن المشتهى.

والشعب اليمني اليوم وهو يعاني من ويلات الإمامة في نسختها الحوثية، يكتشف أن الجرائم التي تطاله نيرانها، إنما هي امتداد لجرائم الجذر الكهنوتي، فالقتل والتعذيب، واستباحة الأملاك، والخوف، والأوبئة، ومصادرة الحقوق والحريات، وتجريف مقومات الحياة، ماركة مسجلة باسم الإمامة بغض النظر عن نسخها قديما وحديثاً.

يسرد العزي السنيدار تفاصيل كثير حول رؤية الثوار، وآليات عملهم، وطريقة تفكيرهم، وكيف استطاعوا إزاحة الغطاء عن أعين فئة واسعة من الشعب، حتى وصلوا إلى استمالة إبراهيم نجل الإمام يحيى وجعله ضمن التيار المطالب بالإصلاح، كخطوة سابقة للثورة، كما يقف على أسباب فشل الثورة، وكيف انتهى الحال بالقيادات المحركة لشراع الثورة، موردا مصرع العشرات من الرموز التي لا تسمح طبيعة المقال لذكرها.


فكان أحدهم يقاد الى الموت والسياف وراءه وهو مربوط اليدين، وهو ينشد في رباطة جأش:

كم تعذبت في سبيل بلادي

وطعمت المنون مرا مريرا

ها أنذا في سبيل هواها

باذل النفس راضيا مختارا


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->