عدن الماضي المستمر.. طيافة في "دفاتر" فضل النقيب!

وأنت تقرأ "دفاتر الأيام" للكاتب والصحفي فضل النقيب تجد نفسك في بؤرة الأحداث، إذ ثمة تناصٌّ تاريخي، وتماهٍ جغرافي يمنحانك القدرة على مراوغة الزمن، والتنقل السلس بين ملابسات اللحظة الراهنة، والماضي المستمر.

فما يعتمل اليوم في عدن واليمن بشكل عام يشبه كثيراً، ما كان يحدث حينها في مرحلة ما بعد الاستعمار، مرحلة الانفعال الثوري، والفرز الحاد، ومسيرة التحول النازف نحو الدولة.

يوثق النقيب طرفاً من مجريات الأحداث في العاصمة عدن عبر أبطالها، ويمنحك فرصة للتعرف على طرف من يومياتهم، وطريقة تفكيرهم وآلية تعاطيهم مع الأحداث وخارطة تموقعهم، الإنساني والثوري الوطني، باقتضاب وفقاً لما تفرضه طبيعة الكتاب.

وفي ذروة الإندماج مع الأيام تنسى المسافة الزمنية، وتجد ما يحكيه ماثلاً أمامك: سلطات متعددة ظاهرة وباطنة، خوف وجوع، شعارات حماسية، وواقع مهترئ، أجهزة متنوعة للاعتقال والتعذيب، والتصفية الاستباقية، فوضى وتدفق جماهيري من الأرياف نحو المدينة لتنظيم مسيرات غاضبة، تطالب بتخفيض الرواتب، وتقطيع الشياذر (البالطوهات)، حملات سطو على الأملاك والمؤسسات، تدهور معيشي مريع، ومحاكم شعبية، واتهام للتجار بالعمالة بهدف الإبتزاز، وضمان الحصول على أكبر قدر من أموالهم، السجن بالشبهة، والهلع من إطلاق المسجونين الذين انتهت مدد محكوميتهم، ومنع السفر إلا بضمين.

وعلى الخط الموازي ثمة توجهٌ عازفٌ عن بناء مؤسسات كون "المؤسسات ستعيق حركة الثورة، وتحولها إلى دولة مشغولة بهموم الحياة اليومية، بينما الهدف المركزي هو الزحف لتحرير الجزيرة" وما إن تتخلق المؤسسات في لحظة ما لاحقة حتى تتواجد لجان الرقابة، التي "يتم تنظيمها في مختلف دوائر العمل: من بسطاء العاملين للإشراف والمحاسبة وفرز قوى الثورة المضادة، وإهانة الوزراء، وكبار المسئولين، ومدراء العموم وقد كانت هذه اللجان فوق كل قانون".

وعلى الصعيد الإجتماعي ثمة ما يعرف بلجان الأحياء، ومهمتها الإشراف على كل صغيرة وكبيرة في مناطق السكن فهي تراقب سلوكك السياسي، والاجتماعي في منزلك، وتقوم بالحراسات الليلية للأحياء ومراقبة الزوار والاستفسار عنهم.
ومن لا تكسره تصرفات اللجان، تطحنه العسكرة "التي كانت شكلاً من أشكال تطويع المدنيين".

يختلط الماضي بالمضارع، وإذا بك القارئ والمقروء في سفر الأحداث، التي يحضر فيها الأمني، والعسكري، السياسي، والاجتماعي، الثقافي، والإعلامي، المحلي والوطني، القطري والدولي، حتى ليكاد المرء أن "يضيع الطريق إلى الهوية" تغمض عينيك وتفتح نوافذ الفكر، وتحاول التفاؤل وتربية الأمل، فلا تجد مبتغاك إلا في أشعة الضوء المنبعثة هنا وهناك، وبسالة الرموز الوطنية، التي حفل بها الكتاب، وتحفل بها ديمغرافيا الأحداث الراهنة، والتي لا تتردد لحظة في أن تجعل من روحها معطفاً لليمن الكبير يقيه من صقيع البقاء في عراء الفجيعة.


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->