قبيل جولة السويد ... السلام متجمد الأطراف

يترقب كثير من المعنيين بالشأن اليمني ومنهم اليمنيون باهتمام انعقاد جولة أخرى من مشاورات السلام في مملكة السويد هذه المرة نهاية الأسبوع الأول من شهر ديسمبر الجاري. وقد طال انتظار هذه الجولة وتعثرت كثيراً مما جعل سقف الآمال المعقودة حولها وعنها محدودة وضيقة بضيق المناخ الذي يتوفر لانعقاد هذه الجولة.

والحقيقة، لم يعد خافيا على أي متابع إن كل منخرطاً في الشأن اليمني يعيش في ورطة وعلى رأسهم المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة. وقد يكون أكثر المحبطين من مسار السلام هم اليمنيون البسطاء الذي ينتظرون سلاماً كيفما اتفق بعد أن أنهكتهم رحى الحرب وأفقرتهم وانتزعت منهم مدخراتهم المالية والنفسية.

قبل الحديث عن أزمة الجميع في الوضع اليمني وعن فرص السلام في هذه الجولة أود التأكيد على بعض بديهيات متعلقة بالصراعات والسلام المأمول.

ومنها أولاً، أن الذهاب إلى الحرب أسهل من الذهاب إلى السلم. لأن الحرب وإن كانت موضوعياً جملة شروط إلا أنها نفسياً مغامرة – وهذا من صميم تكوين الإنسان رغم ترويض الحضارة له - لكن السلم بناء شاق ويتم في مراحل طويلة. فلا سلام يتحصل في يوم واحد ولا تكفي النوايا الحسنة والرومانسية الانسانوية لإقراره.

ثانياً وإتباعاً بأول فإن للسلام شروطاً موضوعية تجعله قابلاً للتحقيق مثلما هي الحرب وأول شروط السلم هي العدالة والإنصاف. إذ لا سلام مستدام في ظل ضيم وحيف أو عدم تحقيق عدالة ومحاسبة المتسبب ولو معنوياً. وبما أن الحرب هي النقيض الموضوعي للسلم فإن من الواجب أن يكون السلام هو النقيض الموضوعي للحرب وهذا لا يتم إلا إذا كان السلام يعالج فعلاً وبجدية وشمول أسباب الحرب. 
 

ثالثاً، الذاهب إلى الحرب هيأ ضميره طويلاً لإجازة الدم واستمراء التعذيب والقتل وشيطن الآخر بما فيه الكفاية ونهل من قاموس معنوي خاص بالكرامة والدفاع والسيادة الكثير بينما السلام يتمحور حول التنازل والسكينة والإيثار وهذه على الرغم من جمالياتها إلا أنها أصعب تحصيلاً.  

وعليه، يمكننا النظر إلى الظرف الذي يمكن أن تنعقد فيه هذه الجولة من المشاورات اليمنية. إن الدافع الأول لعقد جولة من المشاورات هو النظر إلى الكلفة الإنسانية لهذه الحرب. وعلى هذا الأساس حدث تحرك دبلوماسي دولي كبير مصحوب بضخ إعلامي هائل خاص بالوضع الإنساني في اليمن وتم تحديث بعض البيانات الخاصة بالضحايا وإن قدمت جزافا ولكن لتدعيم هذه الجهود وتشكيل ضغوط سياسية كبيرة تدفع بالأطراف المعنية في اليمن إلى الجلوس على طاولة للحديث عن السلام في اليمن. والحقيقة التي لا يمكن نكرانها هي أن الوضع الإنساني في اليمن حرج جداً قبل الحرب وأثناءها وهذا يستدعي نظرة جادة وتعاملاً جاداً مع أوجاع الناس وآلامهم.

ويأتي انعقاد هذه الجولة في لحظة تعيش المملكة العربية السعودية - التي هي طرف كبير في الشأن اليمني باعتبارها تقود تحالفاً عربياً عسكرياً لمواجهة الحوثيين في دعمها لحكومة الرئيس هادي – تحت تأثير ضغوط قضية مقتل الصحفي خاشوقجي في قنصلية بلاده في تركيا. وقد حملت القضية اليمنية حمولة قضية هذه الحادثة لتبدو كأنها مقايضة مباشرة دون الإلتفات لجوهر الصراع في اليمن. ويرى البعض أن الضغوط على المملكة في هذه اللحظة يمكن أن تدفعها إلى ترك الساحة اليمنية دون الالتفات إلى الحاجة الاستراتيجية من وراء تدخل المملكة عسكرياً ومخاوفها الأمنية من يمن الحوثي من ناحية. ومن ناحية ثانية دون النظر الى الطرف الإقليمي الذي أفسد الشأن اليمني في تدخله السافر والمدمر وهي إيران التي سيتحتم على اليمنيين مواجهتها هي وبناتها في المنطقة من قبيل حزب الله اللبناني.  

وقد صدرت تصريحات أمريكية ومعها غربية أخرى بخصوص معالجة الشأن اليمني وهي في جملتها ارتجالية في احسن الظن بها بل انها في حقيقة الامر تلغم مستقبل اليمن وتعزز من فقدان اليمنيين الثقة بالمؤسسات الدولية والدول الفاعلة في المجتمع الدولي. ومسألة الثقة هذه يمكن إفراد مقال خاص بها لأنها مشتركة بين كل الأطراف اليمنية وأخذت مع الوقت تتجذر وإن كانت تبنى أحياناً على انطباعات مؤامراتية.

كما أن فشل المبعوث الخاص السيد مارتن جريفيث في جمع اليمنيين إلى طاولة واحدة في جنيف قبل شهور وضع مهمته أمام امتحان شخصي كبير لا يمسه فقط ولكن يمس هيبة الأمم المتحدة وقدرتها على إدارة أزمات وتسيير أعمال دبلوماسية تمنحها شرعية المواصلة والاستمرار والوجود.

وكما كانت طموحات الجولة السابقة متدنية فإن هذه الجولة لا تستطيع أن ترفع من سقف طموحها عدا فكرة جمع اليمنيين لمجرد الجمع على اعتبار هذا الأمر يشكل اختراقاً هاماً في جدار الممانعة التي تبديها الأطراف المنخرطة في الصراع في اليمن أمام أي جهود دبلوماسية لا تلبي حاجتها وبعد أن رهنت مستقبلها إلى العمل العسكري.

إلا أن العمل العسكري، رغم جملة اختراقات هنا وهناك لصالح حكومة الرئيس هادي، لم يتغير كثيراً ولم يوفر معطى استراتيجياً هاماً بعد أن توقفت العملية العسكرية الحكومية الخاصة بالاستيلاء على ميناء الحديدة. كان يمكن لهذه العملية لو تمت أن تغيّر من المعطيات العسكرية ميدانياً وتمنح طرفاً (الحكومة) الإحساس بالانتصار والذهاب الى طاولة المفاوضات على هذا الأساس بالمقابل إحساس الطرف الآخر (المتمردين) بفقدان ورقة حساسة ينبغي عليه التنازل من أجل الحفاظ على ما تحت يديه من مكاسب سلمياً بدلا من فقدانه عسكرياً.

لكن التوقيت الخاص في إيقاف العملية كان من شأنه أن يحرم أي طرف أي ورقة رابحة تقوده إلى طاولة الحوار. فلا الحوثي يستطيع دحر القوات الحكومية ولا مضت القوات الحكومية في السيطرة على الميناء.

أما عن فرص نجاح جولات السلام فان هذا في رأيي يمكن التنبؤ به من خلال إعادة النظر في خفايا الجولات السابقة أسباب تعثرها ولعل جولة الكويت هي الجولة الأهم التي تقدم مدونة كاملة سلوكية لأطراف التفاوض اليمنية ورهاناتها وارتهاناتها ومقدار جديتها ومساحة تنازلها.

وحري بالمبعوث الخاص العودة إلى تلك الجولة والاعتماد على نتائجها وإن كانت مخيبة للآمال لرسم تصور واضح وأكثر عقلانية وواقعية لمسار السلام في اليمن.


* المقال خاص بالمصدر أونلاين

  


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


آخر الاضافات

تابعنا على فيسبوك




صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية