تأويل دموع الفرح

لم يتوقع أحد أن نصل إلى مرحلة تهريب المشاعر لإلحاقها بمشاعر الآخرين. من يتحمل كلفة التبلد في الداخل اليمني؟ لقد أصابنا اليأس بعد تعب الانتظار لقيادة نبادلها الهموم والألفة دون توجيهات رسمية بتشكل لجان للترشيد العاطفي.

كما لو أننا يئسنا من وجود جهة تستشعر مأساتنا، حتى المنظمات التي تصرف المعونات الغذائية في الريف تحنق إذا ما أفرغ عليها الغضب أحد الجائعين، لقد غيرت الطاقم الميداني الذي كان يحوي على إناث يدغدغن أفئدة الكادحين وهن يسألن عن مدى حاجتهم للملح، وكيف كان طعم الفاصوليا؟ صار الكادر ذكوريًا بملامح متجهمة وحناجر لا تحتاج لمكبرات الصوت.

هكذا نجد أنفسنا نتعلق بـ "التعبيرة" الخاصة بأي فرحة بعيدة عنا. لا تلوموا ابن الريف الذي تسمر أمام التلفاز عقب مباراة قطر واليابان ليومين متتاليتين، لقد استعان ببطارية أحد أقاربه وأطفأ كافة الجلوبات لادخار الطاقة لأجل الشاشة الصغيرة، وكان يتساءل قبل المباراة: تقولوا البطارية اشتشغل الشاشة العملاقة بسوق واقف.. اشنقلهم يدوها علشان نتهنى نبصر.

لقد تسمر لمتابعة الفرحة ومعايشتها، من ظهر الجمعة وحتى وصول المنتخب إلى الكورنيش في الدوحة، أكد بأنه ظل قلقا عليهم كما لو أنهم عياله، في أبو ظبي كان يخشي من مكيدة تزرع أسفل الباص، وطيلة البطولة كان يخشى من مادة تخدر اللاعبين، مادة تزرع في الأكل قبل اللعب، سكنت المؤامرة في ذهنه، حتى عندما وصل المنتخب إلى عمان كان يخشى من قناني المياه التي جلبوها معهم. لم يفصح عن شعوره الداخلي هذا أمام زوجته، إذ صار له "ثامنة" على وعده لها بوايت ماء لبرميله الفارغ، الآبار نازفة وقد تحكم عليه بالذهاب بعد منتصف الليل إلى البئر لخلوه من الواردات في الهزيع الأخير، لن تسكت من خوفه على الآخرين من المياه المعلبة إن كشفت مشاعره تلك.

عندما صعد اللاعبون إلى الطائرة؛ ظل متوجسًا من خلل تقني يكسر الجناح، في خاتمة رحلة مشاعره مع القطريين، أكد بحرام وطلاق أنه أوشك على البكاء عندما رأى "تميم المجد" يحتضن اللاعبين "استحوك من الناس بس"، قال ذلك وهو يشيد بابتسامة "تميم المجد": يا اخي بتان اشنقع اكه؟

تبين لي أن تشديده على تكرار اسم أمير قطر هكذا "تميم المجد" حتى لا نخلط بينه وبين تميم "صاحب الوايت". وكان صادقًا في نقل مشاعره، من حقه أن يبكي فرحًا بلا لوم ومن حق المتابعين تأويل الدموع المنهمرة من أعين متابع من قرية العكدة وهو يرى عناقًا بين رئيس ومرؤوسين في دولة بعيدة عنه، ربما تكون إحدى تجليات الوعي الباطن لليمني الذي يعيش بلا قيادة ويرى شغل رئيسه مقتصرًا بين الإقامة في فندق بالرياض والسفر إلى واشنطن لإجراء الفحوصات الطبية.

لقد غابت الإنجازات وضاعت اللحظات الحميمية المنبثة من حفاوة التكريم، وبما أننا في حرب، فحتى الإنجاز العسكري للشرعية مطوق بأجندة التحالف، ربما كان هذا سببًا لفرح معظم اليمنيين مع قطر، إذ لا يمكن ـ مثلًا ـ أن يرى أحد شكل فرحة أبناء العكدة، لا قطر كي تشكرنا ولا الإمارات لاستشفاف الإغاظة الموضحة من بن بريك.

لقد عاد القطريون بالكأس والفرح، وحصلنا نحن على الدموع الممزوجة بالشعور المريح المؤقت، عادوا إلى بلاد عرفت كيف تدير الغاز، في الوقت الذي ارتفعت فيه غاغة المشجعين الريفيين في اليوم التالي على أسطوانات الغاز، ذلك أننا نحصل على أسطوانة كل شهرين بسعر مخفض من مندوب الشركة أو بسعر مضاعف ثلاث مرات من السوق السوداء. حتى الجوائز الممنوحة للقطريين والحديث عن شقق وفلل لم يثر حسدنا، متهنيين لهم كما لو أنهم عيالنا، بالرغم من أن السقف الذي شاهدنا تحته المباراة كاد يسقط عند كل جول وبدأ بالتداعي..

كل الجوائز لم تثر الحسد ولم تنقص من منسوب الفرحة، أصر ذلك الريفي الذي أوشك على البكاء بالتشديد على العناق بين الأمير واللاعبين: والله إنه يسوى مية مليون وألف بيت.

من هذه الفرحة حصلنا على الدموع مستشعرين حال الوطن المنهوك..

لا لوم على بكاء الريفي المعروف بجلافته، لقد غطى وجهه بالغترة ومسح الدموع عندما سدد المعز علي الهدف الأول في مرمى اليابان. لا تثريب على دموع الفرحة المتدفقة من الشعور القومي بفخامة الإنجاز، لا عتب إن كانت دموع فرحة من عدمها، فلقد بكى حتى اسودت مآقيه حزنًا حين أصيب أخاه بطلقة في الرأس وظل قرابة الثلاثة أشهر في غرفة العناية المركزة فيما هو كان يبحث عن علاج وعن من يشعره بنزر من الاهتمام عبر الرعاية الطبية لأخيه البطل الجريح، لم ينل شيئًا من ذلك، وفي نهاية المطاف؛ مات أخوه.

* المقال خاص بموقع المصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك