حرب التفاصيل!

في الحرب، أي حرب، لا قيمة للتفاصيل، وأي محارب خبير يعرف أن الحرب تؤخذ بالاستراتيجي لا التكتيكي اليومي، المستجدات الطارئة والعارضة، مهما كثرت، لا قيمة لها مقابل الهدف الأساسي للحرب.


المعارك الأخيرة في الضالع وتعز، تؤكد هذه الحقيقة، وتثبت أن قتال الحوثي وهزيمة الانقلاب يظل هو الواجب المقدس المشترك بين كل اليمنيين، مهما كانت الخلافات والتباينات والغايات.


في الضالع التحمت كل الجهود، ورأينا كيف أن الانتقالي هبّ مستنفراً، ويمكننا هنا الإسهاب في عرض أسباب جانبية لذلك النفير، إلا أنه لا يمكن أن يكون هناك سبباً يطغى على مسألة الاعتقاد الراسخ لدى عموم الشعب. والجنوبيون، بمختلف مكوناتهم، في مقدمة من يدركون جيداً خطورة الميليشيا الحوثية واستحالة التعايش معها أو القبول بها أو حتى التخادم معها لأي هدف أو غاية، تكتيكية كانت أم استراتيجية، وبالتالي يجب إبقاء السلاح في متناول اليد لمواجهتها في أي وقت وحين.


ساهمت كل القوى في الضالع، جيش ومقاومة شعبية وحزام أمني وحماية رئاسية، وحدويون ومطالبون بالانفصال، مزارعون، حزبيون، كلهم هبوا عندما تضاعف الخطر، حضر الجميع بالعتاد والسلاح والرجال وقدم الكل التضحيات، إلى جانب أبطال تلك الجبهات المرابطين منذ أربع سنوات ضحوا خلالها ببسالة وشجاعة وبأقل قدر من الإمكانات في جبهات مريس وقعطبة والعود وصولاً إلى دمت وجبن وغيرها من المناطق.. ووجدوا في نجدتهم المتضافرة بذلك الشكل عزاءً وسنداً عن أي شعور بالخذلان أو التقصير في دعمهم وإيلاء تلك الجبهات الدعم الكافي.


وفي المشاهد التي وزعها إعلام الجبهة، كانت الصواريخ الموجهة التي دخلت بها بعض القوات المدعومة جيداً، عاملاً حاسماً على الأرض، ومبعث بهجة كل اليمنيين بانكسار الجماعة وهروب من تبقى من مقاتليها للنجاة بأنفسهم.


لسنوات ولا يكاد كل ذي عقل يؤكد أن هزيمة الحوثي لن تكون ممكنة إلا بتظافر كل القوى والمكونات في معركة صادقة، تنجز الهدف الاستراتيجي المتمثل في هزيمة الحوثية، ومن ثم فمهما كانت الخلافات فيما بينهم فإن حلها سيكون يسيراً وممكناً وبلا سقف، معارك الضالع جددت تأكيد هذه الحقيقة، إذ صنع اليمنيون نصراً لا بأس به خلال أيام، وهذا يؤكد حتى لمن يطالبون بالانفصال أن نضالهم مهدد من أساسه طالما والميليشيات الحوثية ما تزال تتنفس، وأن حدود الجنوب اليوم هي في صعدة وليس في الضالع، وطالما بقيت صعدة أو أي مساحة تحت سلطة الحوثي فإن كل المشاريع مهددة، سواء مشروع الانفصال أو حتى الأحزاب أو أي قوة فاعلة في الساحة اليمنية شمالاً وجنوباً، حتى المواطن العادي في حقله في أبين أو لحج أو حضرموت أو مأرب أو غيرها مهدد بالجوع والتعذيب والموت طالما بقيت الجماعة.


في تعز أيضا، التي شهدت معارك قبل أسابيع قليلة، لكنها استجمعت قوتها قبل أيام وحشدت رجالها وكل إمكاناتها اليسيرة وأطلقت عملية عسكرية لاستكمال عملية التحرير، إذ أن الحوثية هي العدو، وكل ما دونها حتى وإن وصل الخلاف حد الاحتراب البيني، إلا أن ذلك يظل شأناً جزئياً يمكن معالجته، أما الحوثية فالكيّ هو السبيل والطريق الوحيد.
تفشل الحروب والجيوش عندما تقاد على طريقة ضباط الاستخبارات في الاهتمام بالخبايا والخفايا، وبناء القرارات وفقاً لتفاصيل أو تقارير من هنا وهناك.


وبالنظر الى المستجدات الأخيرة واعتداءات الحوثيين على خطوط نفط المملكة والاعتداءات على السفن في الإمارات، فإنها تؤكد أيضا لكل صاحب قرار في هذه الحرب، ضرورة إعادة استحضار الغايات الاستراتيجية لهذه الحرب، والتركيز عليها مهما كانت التفاصيل، واختصار التسلسل الهرمي لإدارة العمليات، وحشد كل الطاقات لاستعادة زخم المعركة وهزيمة الحوثية وسحق منظومتها الهيكلية وجذورها.. وهذا لن يتم إلا بمغادرة "حرب التفاصيل" الراهنة التي تتحكم بها ذهنية رجل الأمن وليس ذهنية المحارب!


والسنتان الماضيتان خير دليل، إذ شهدتا ركوداً في مختلف الجبهات بفعل الحسابات الصغيرة والاستماع للتفاصيل والإنصات لصوت الوقيعة المغلف بالحرص من الشبكات الناعمة، وفي المقابل شهدت الفترة ذاتها تنامي تهديد الحوثيين ليشمل مناطق ما كان ليتوقعها أحد. بفعل التقنيات الإيرانية وخدماتها اللوجستية للميليشيات، وثقة الحوثيون بتيه خصومهم.


ولذلك، عندما يستعيد رأس الهرم في هذه الحرب ذهنية المحارب، ويغادر ذهنية رجل الاستخبارات، سيتكرر مشهد انتصار عدن، والضالع وتعز ومأرب والجوف ونهم، وتلحق بالحوثيين ومن ورائهم إيران شر هزيمة، ويصنع العرب انتصارا حقيقا لا يزال اليوم ممكناً، وقد يصعب كلما تأخر الوقت.

* المقال خاص بالمصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك