"السلام".. على الطريقة الإماراتية!

بداية يوليو (2019) قال مسؤول إماراتي رفيع بأن دولته خفضت قواتها في اليمن في إطار سياسة إعادة الانتشار، مؤكداً على أن هذه السياسة تأتي ضمن خطة كبيرة عنوانها "الانتقال من استراتيجية القوة العسكرية إلى خطة السلام"، والحقيقة التي لم يُنتبه لها أن خطة التوجه نحو السلام الإماراتي في اليمن، بدأت قبل ثلاث سنوات.

  ففي يونيو (2016) أعلن ولي عهد أبوظبي والحاكم الفعلي للإمارات محمد بن زايد، عن انتهاء الحرب في اليمن، وقال في تغريدته آنذاك: إن وقت خيار السلام قد حان. ولم يكن إعلان تخفيض القوات، في يوليو الماضي، سوى نتيجة لسلسلة أحداث صنعتها أو دعمتها أبوظبي، كان منها استكمال السيطرة على مناطق الشريط الساحلي الممتد من باب المندب حتى ميناء الحديدة، ثم دعم التوجه الأممي لفرض تسوية سياسية تثبت أقدام الحوثي في الحديدة وموانئها، وتخرج الحكومة الشرعية من خارطة محافظة الحديدة والساحل الغربي، الساحل الذي أضحى في وضع تقاسم فعلي بين القوات الموالية للإمارات ومليشيا الحوثي.

 كل الوقائع التي جرت منذ يونيو (2016) وحتى يوليو (2019)، دللت على أن عداوة الحكومة الشرعية كانت هي الجامع المشترك بين الحوثيين والإمارات، ومن هنا يمكن فهم أسباب تعليق معارك الحديدة؟ رغم أنها كانت على مشارف مداخل المدينة، وكادت نتائجها أن تسيطر على الميناء، فلم تكن تلك المعارك سوى تغطية لضمان بقاء الشريط الساحلي المطل على المخاء والموصل لباب المندب، بيد القوات الموالية لأبوظبي.

 خطة "السلام في اليمن"، التي تتبناها الإمارات، تنطلق من سياسة أن مناطق الساحل؛ الجنوبية والشمالية، ستبقى تحت تأثيرها، وهي بهذا ستظل متحكمة في الجغرافيا السياسية لمناطق جنوبية عن طريق عدن، وتعز عن طريق المخاء، والحديدة عن طريق الساحل، في تفاهم ضمني مع مليشيا الحوثي يفضى إلى بقاء أغلب مناطق الشمال تحت سلطة الحوثي، بينما تظل مناطق الشمال التي تحت سلطة الشرعية محاصرة بتهديد مشترك من الطرفين؛ الحوثي وقوى الإمارات.

 من هنا يمكن فهم طبيعة الأحداث الأخيرة، التي جرت منذ إعلان أبوظبي تخفيض قواتها في اليمن، فالهجوم الذي طال منزل محافظ مأرب (بداية يوليو 2019) بصاروخ مليشيا الحوثي، والهجوم الذي استهدف معسكر الجلاء التابع للحزام الأمني بعدن الموالي (أعلن الحوثي مسؤوليته عنه)، بالتزامن مع هجوم آخر على مركز أمني بالشيخ عثمان بعدن (لم يعرف مصدره)، وسلسلة الاغتيالات التي طالت منتمين لتجمع الإصلاح، كلها أحداث مترابطة لا يمكن فهمها إذا ما أخذت بشكل منفرد، بل يجب أن تؤخذ في سياق متصل بـ "خطة السلام الإماراتية"، ومرتبط بالتقارب الاماراتي - الإيراني (نهاية يوليو 2019)، فضلاً عن إعلان قوات الحزام الأمني استعادة بعض المناطق التي سقطت بيد القاعدة، خصوصاً إذا ما ربطنا هذه الاستعادة بحديث أبوظبي، عن أن محاربة الإرهاب هو أهم أهداف بقائها في اليمن ضمن إطار خطتها للسلام.

 تدشن الإمارات تدخلها الجديد في اليمن؛ التدخل عن طريق السلام، برسائل عدة كلها تصب في خلاصة غرّد بها أحد مسؤوليها على توتير، مفادها أن اليمن لن يبقى موحداً، وتبدو أبوظبي واثقة من هذه الفرضية بعد أن عملت في تدخلها الأول؛ التدخل عن طريق الحرب، على إنشاء مليشيات في الجنوب والساحل الغربي، كقنابل موقوته، تستخدم للحفاظ على "فوضى موجهة" لضمان بقاء اليمن ضعيفاً ومشتتاً.

  لم يعد مهماً الآن هل هناك تفاهم حقيقي بين الحوثي وأبوظبي؟ وليس بالضرورة أن يكون كذلك، فالمؤكد أن هناك تقاطع مصالح غير معلن بين الطرفين، في إنهاء الحرب الرسمية من قبل التحالف ضد مليشيا الحوثي، أو على الأقل لتبقى حرب سعودية حوثية بدل أن كانت حرب تحالف عربي، وبتقديري فإن ما يجمع أبوظبي بالحوثي أيضاً هو عقدة الانتقام من أغلب اليمنيين، الذين رفضوا مليشيا الحوثي وإيران وفي ذات الوقت مليشيات المجلس الانتقالي والامارات.

 لقد اتضح أن السلام بالنسبة لأبوظبي ليس سوى ماراثون للفوضى المنظمة، وما نحتاجه حالياً هو خلق حالة توحد وطنية، ضد كل تكتلات الموت الممتدة من شمال اليمن إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، وهي تكتلات تتنامى ليس بسبب قوتها ولا حتى بسبب الدعم الإقليمي لها، بل نتيجة عدم توحد رؤى القوى التي تعمل في إطار الشرعية، التي تسودها خصومات لا مبرر لها، الأمر الذي يستدعي تكاتفها معاً ضد خطر يتهدد الجميع وفي مقدمتها الشرعية، مع ملاحظة أن الأخيرة يجب أن تؤمن أنها لن تنتصر إلا بقوة الشعب وليس بجلباب السعودية.


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك




صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية