العراق لؤلؤة في عقد الربيع العربي

مرّت فترات طويلة لم يكن العراق فيها سوى بول بريمر أو قاسم سليماني، وضاعت ملامح العراق الذي لم يبق من صورةٍ له سوى صورة الحشد الشعبي، والمنطقة الخضراء، وصور الفاسدين الذين أثروا في زمن بيع العراق في سوق النخاسة الإقليمي والدولي. أريد لهذا البلد أن يكتفي بقاسم سليماني إنجازا وأيقونة، ويشكر ربه على هذا العطاء، ويواصل عيش يومياته بالسير إلى جانب الحائط وطلب السترة، بعد أن شرّفته إيران بضمّه إلى محور الممانعة، وبعد أن حمى سليماني العراقيات من خطر استباحة "داعش" لهن.

وللمفارقة، كان هذا العراق محوراً للسياسة العالمية، وكانت التقديرات ترشّحه ليكون قاطرة نقل الشرق الأوسط إلى عالم الحداثة والتطوّر. حينها كانت البلاد، وعلى الرغم من سنوات الحرب والحصار المديدة، تملك البنية التحتية اللازمة للقيام بهذه المهمة، خصوصا على صعيد الكوادر المؤهلة تقنياً وتكنولوجياً، والتي لم تجد بعد الاحتلال الأميركي منقذاً لها سوى الهروب إلى جهات الأرض الأربع، لتلاحقها يد الجريمة قتلاً وتنكيلاً، والفاعل مجهول.

مرّت فتراتٌ كنا يئسنا من أن العراق قد يرجع يوما إلى ذاته، وإنه صار بالفعل ولاية إيرانية هامشية، أو بالكثير، مركزا أميركيا للمراقبة والاستطلاع، ولتجريب السياسات الأميركية في الشرق الأوسط، وذلك بعد أن جرى تفكيك هوية البلد وسحق شخصيتها بأساليب ممنهجة، وبالاعتماد على أدواتٍ ليس لها من ثقافة السياسة والحكم سوى الحصول على أكبر قدر من الثروات، حتى لو كان عن طريق كازينوهات القمار وتجارة الطعام الفاسد.

كانت نكبة العراق أكبر من أن يتم احتمالها، فقد عملت أميركا وإيران على قتل الوطنية العراقية وإرجاع العراق إلى مكوناته الأولى، الطائفة والعشيرة، وذلك لإدامة السيطرة عليه ونهب ثرواته، ويعرف هؤلاء أن عودة الروح إلى الوطنية العراقية تعني موت مشاريعهم الجيوسياسية في بلاد الرافدين.. من ذا الوطني العراقي الذي يقبل أن يتحوّل العراق إلى مجرد تابع صغير لا وزن له في سياسات طهران وواشنطن؟ هل يعقل أن العراق الغني بثرواته ما زال في مربع المطالبة بالحصول على المياه الصالحة للشرب الآدمي والكهرباء؟ هل يعقل أن آلاف الشباب ممن يحملون شهادات دراسات عليا لا يجدون فرصة للوظيفة، في بلد يحتاج لمثل هذه الكفاءات؟ ماذا يعني أن 25% من الشباب العراقي عاطلون، وأن العراق يحتل المرتبة 12 في لائحة الدول الأكثر فسادا في العالم، بحسب منظمة الشفافية الدولية. وابتلاع الفساد، منذ سنة 2003 نحو 450 مليار دولار من الأموال العامة، أي أربعة أضعاف ميزانية الدولة، وأكثر من ضعف الناتج المحلي الإجمالي للعراق. ماذا تعني هذه المعطيات المرعبة، ألا تؤشر على وجود خطة ممنهجة لإغراق العراق إلى الأبد في الوحل؟


لقد دفع هذا البلد، بصورته الحالية، كثيرين من أبنائه ومحبيه، إلى اليأس من إمكانية استرجاع العراق، ومن إمكانية إصلاح قائمة الأعطاب هذه التي أطاحت واحدة من أكبر بلدان المشرق العربي وأقواها، في ظل طبقة سياسية امتدت على مساحة واسعة من الطوائف والعشائر، وبدا أن التأثير عليها، من المتضرّرين، أمرٌ دونه عوائق كثيرة، وأي محاولة للاعتراض ستواجه بعملية قمع شديد من هذه الشبكات التي باتت تتحكّم بالعراق وسلطته.


ولكننا في زمن الربيع العربي، الزمن الذي سقط فيه المحال، وسقطت القوالب والوصفات الجاهزة والتقييميات المملة الكسولة، زمن سقط فيه التنبؤ السياسي أيضاً، ولم تعد الصحافة ولا مراكز الفكر قادرة على التنبؤ بما سيحصل غداً، بل بات هؤلاء يلهثون لالتقاط ما تنتجه شوارع الغضب، وليصفوا الأحداث يوماً بيوم.

ويوما بعد آخر، يثبت الربيع العربي أن كل من عارضه أو وقف ضده إنما حاول يائسا تأخير طلوع النهار، وهذا عدا عن كونه مستحيلاً، فإنه مُكلفٌ ومرهق، وبلا أي طائل، وكل الدعاية وكل الخطط والإستراتيجيات والأموال التي صرفت لم يكن لها معنى سوى المساهمة في تدمير الدول العربية. أما الربيع فيتفتق من كل الجنبات، والذين اتهموا الثوار بأنهم حالمون ولاواقعيون وخارج مفاهيم العصر لم يدركوا أن الثوار الأوائل صنعوا قطارا لن يتوقف، قبل أن يدهس أنظمة العفن العربي.

ينضم العراق، بتنوعه وألوانه الجميلة وتراثه الرائع، إلى يوميات الربيع المستمرة من ثماني سنوات، وأيام الثورات هي أجمل ما في هذا التاريخ العربي المعاصر، هي الأيام الفضيلة بحق. وفي مثل هذه الأيام، من العار على مثقفٍ أن يقف بعيدا عن نبض الشارع، من العار أن نجد من يعتبرون أنفسهم أساطين الفكر يلهثون في تبرير سياسات أنظمة فاسدة مرتبكة. من العار أن يجري تفسير التمرّد في مصر محاولة من "الإخوان المسلمين" للعودة إلى الحكم، وكأن الشعب لا يملك حتى مجرّد الشعور بآلامه ومصائبه! ومن العار أن يجري التصريح والتلميح من طبقة الحكم العراقية التي عجزت خمس عشرة سنة عن تقديم أي حل لمشكلات المجتمع العراقي أن وراء المظاهرات يدا خارجية.



*مقال للكاتب في العربي الجديد

شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك