"النهضة" التونسية وصعوبات مقبلة

في انتظار أن تصدر الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس النتائج النهائية للانتخابات التشريعية، بعد استنفاد آجال الطعون التي يتوجه بها عادة خاسرون إلى القضاء، والتي لن تغير شيئا في المعادلة السياسية التي أفرزتها صناديق الاقتراع، قد تجد حركة النهضة التي تحتل المرتبة الأولى، متقدّمة على أحزابٍ وقوائم مستقلة عديدة، على غرار "قلب تونس" و"التيار الديموقراطي" و"ائتلاف الكرامة" و"حركة الشعب"، نفسها، في الأيام القليلة المقبلة، أمام مأزق سياسي حاد، لا يهدد المسار الديموقراطي، بل الاستقرار السياسي للبلاد بأكمله. 

لم تمنح صناديق الاقتراع أسبقية مريحة لحركة النهضة حتى تشكّل حكومة، فبمقاعدها الـ52 تجد نفسها تحت رحمة خصومها. ولذلك سارعت إلى إجراء مشاورات عسيرة لتشكيل الحكومة، كما ينص الدستور التونسي على ذلك، فما أن بدأت التسريبات من مؤسسات سبر الآراء تبدي فوز "النهضة" مساء الانتخابات، حتى سارعت أحزاب إلى إعلان عدم مشاركتها في الحكومة التي قد تشكلها النهضة، مختارة صفوف المعارضة، ولعل أبرز مثال حزب التيار الديموقراطي الذي حلّ في المرتبة الثالثة، وهو ما عدّه بعضهم تسرّعا غير مبرّر، سواء من حيث التوقيت، أو من حيث رصانة الموقف ذاته.

بعد سويعاتٍ من هذا الموقف، صدرت تصريحات من قيادات حركة الشعب (تيار سياسي عروبي ذو توجهات ناصرية) التي جاءت الرابعة، تفيد بالموقف نفسه تقريبا، ترفض الائتلاف مع "النهضة" لتشكيل الحكومة. ومع ذلك، لم تيأس الأخيرة من خوض مفاوضات عسيرة خلف الكواليس.

وفي الأثناء، أصدر حزب تحيا تونس (يترأسه رئيس الحكومة يوسف الشاهد)، والذي حل في المرتبة السابعة، رفضه المشاركة، مختارا الاصطفاف وراء المعارضة، نافيا أي نية له للمشاركة في الحكومة المقبلة. وحتى كتابة هذه السطور، لم يعبر سوى ائتلاف الكرامة عن موافقته المشاركة مع "النهضة" في تشكيل ائتلاف حكومي، وهو ائتلاف انتخابي ضم طيفا واسعا من الشخصيات السياسية غير المتحزّبة، ويصنفها بعضهم بأنها على يمين "النهضة"، ولها نزعة راديكالية تصر على رفض أي تقاربٍ مع "بقايا" النظام السابق، تحت أي مسوغ أو تبرير، كما تصر على تغيير الدستور، والتنصيص على اعتبار الشريعة مصدرا للتشريع. 

ويطالب هذا الائتلاف فرنسا بالاعتذار عن تاريخها الاستعماري. ولا تحبذ "النهضة" أن يكون شريكها في الحكم من يقف على يمينها، وهو لا يختلف عنها كثيرا في منابعه الأيدولوجية، وكانت تودّ لو تحالفت مع شريكٍ يختلف سياسيا وأيدولوجيا عنها. ولم تتوقع أن تجد نفسها في هذه الوضعية الصعبة، وربما لم يكن هاجسها، وهي تخوض الحملة الانتخابية، سوى تفادي الخسارة التي أعلنت عنها مؤسسات استطلاع الآراء، وهي خسارة لو تحققت لعصفت بوحدة الحركة ومكانة زعيمها الشيخ راشد الغنوشي تحديدا. وقد يكون انتصار النهضة انتصاره شخصيا على خصوم الداخل والخارج.



استطاعت الحركة أن تتدارك أحوالها، وتستعيد أنفاسها، لتقليص الفرق مع خصومها، وتحديدا حزب قلب تونس، الذي يرأسه رجل الأعمال نبيل القروي، الذي أطلق القضاء سراحه أخيرا، ليخوض منافسة شرسة على منصب رئاسة الجمهورية في الدور الثاني. ربما لم تتوقع أن ترفض الأحزاب مشاركتها في الحكم، لاعتباراتٍ عديدةٍ يعرضها قادة الأحزاب تلك، لعل أهمها أنهم لا يقفون على الأرضية الأيديولوجية والعقدية نفسها مع حزبٍ غدا، رغما عنه، عنوان الإسلام السياسي، مع أن "النهضة" تنكر هذه الصفة، محبّذة الحديث عن "إسلام ديمقراطي". ويعتقد آخرون أن الحركة تتحمل قسطا مهما من المسؤولية الأدبية والسياسية للحصيلة السلبية لتجربة الحكم، سواء في عهد "الترويكا"، أو في عهد التوافق الذي تلا انتخابات 2014.

ويؤاخذ هؤلاء "النهضة" على أنها حكمت طويلا (وإن مع غيرها) من دون أن تفلح في تحقيق أهداف الثورة، وحاجات الشباب العاطل والجهات المحرومة.
أمام حركة النهضة ما يناهز أربعة شهور لتشكيل حكومتها، حتى لا تذهب البلاد إلى انتخابات مبكرة، وقد تحمل إلينا الأيام القليلة المقبلة "حكمة تونسية" تجنّب البلاد هزّات لم تعد تتحملها. ربما ستذهب "النهضة"، وتجنبا لتهمة "التغوّل"، إلى البحث عن رئيس حكومةٍ من خارجها، متنازلة في ذلك عن حقها الدستوري.


ولعلها بهذا العرض تطمئن خصومها، وتخفّف من حدّة التحفظ على المشاركة معها في الحكم، خصوصا في ظل وضع إقليمي متوتر. ثمّة إحساس بأن تونس، برحيل الباجي قائد السبسي، فقدت جيل "الوسطاء الكبار" الذين يحتاجهم التاريخ لإيجاد توافقاتٍ كبرى، كالتي تنشدها البلاد حاليا.



*مقال للكاتب في موقع العربي الجديد


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك