جلد المصغي للكلمات الركيكة

صار لدينا عدد كبير من الفنانين الشباب، في صنعاء قد نجد في كل قاعة فنان، وساعدت وسائل التواصل الاجتماعي على انتشار الأصوات الرنانة عربيًا..

أصوات في الشارع تشنف الأسماع، لم أظن أني سأستخدم الكلمة المشتقة من الشنف في يوم ما، رغم معناها المعجمي الجميل، لأن الكلمة بدت ثقيلة كثقل أغنية بلحن ماسخ، وإن كانت في إحدى معانيها "أمتع الأسماع".


حتى الشارع، صار مسرحًا لاصطياد الفنانين المتجولين، وخلال الفترة الأخيرة عرفنا شدو باعة صغار يغنون للأرصفة، وسائل إعلام عالمية تداولت مقاطعهم، وظهر عمرو أحمد، بائع الماء على البي بي سي وهو ظهور لم يصل إليه فنانون لهم الباع الطويل في الأغنية اليمنية كعلي الآنسي في زمنه مثلًا. كما ظهرت بائعة المناديل تغني واصطادتها منصة الجزيرة، وهو مالم تصل إليه فنانة مثل جميلة سعد، المغنية الصنعانية في البيئة المسيجة بالأعراف والتقاليد.

الظهور الفني للأغنية اليمنية عربيًا، يتوسع يوميًا، شباب وشابات يترنمون بأغاني يمنية وينشرون المقاطع وهم يتغنون بها، النشاط العنكبوتي للفنانين الشباب جيد وله الأثر الكبير في الترويج للفن اليمني، غير أن هناك مشكلة، وهي مشكلة قديمة في عالم الغناء العربي كله، تتمثل في اختيار الكلمات.

ذكر بن عبدربه في العقد الفريد، سوء اختيار الأغاني وحكم بالجلد متهكماً حتى على من يسمع أغنية ساذجة "من سوء الاختيار، ما تخيره أهل الحذق بالغناء من الشعر القديم والحديث، فإنهم تركوا منه الذي هو أرق من الماء، وأصفى من رقة الهواء، وكل مدني رقيق، قد غذي بماء العقيق، وغنوا بقول الشاعر:

فلا أنسى حياتي ما.. عبدت الله لي ربا

وقلت لها أنيليني.. فقالت أفرق الدبا

ولم تعلم ما بي لم.. تهب دبا ولا كلبا.

قال: وأقل ما كان يجب في هذا الشعر، أن يضرب قائله خمسمائة سوط، وصانعه أربعمائة، والمغني به ثلاثمائة، والمصغي إليه مائتين".

في العقد الفريد، المصنف ككتاب، اهتم ابن عبدربه بالألحان وقصص المغنين، وأفرد "كتاب الياقوتة الثانية في علم الألحان واختلاف الناس فيه"، كان موشى بآراء الفقهاء، وقصص المغنيين والمغنيات، بنتف من الفلسفة في الصوت، وكذلك بتفسير وجداني امتزجت فيه الطبيعة براحة النفس والجسد من الملل والفتور حين يصغي الإنسان إلى صوت دافئ ومعنى رقيق.

وكان ابن قتيبة قد سبق ابن عبدربه للإهتمام بالألحان، ومن يتتبع التراث العربي سيعرف قِدَم العرب في الاهتمام باللحن المبني على انتقاء الكلمة وإن كانت من حناجر حداة العيس.

للفنان الكبير أيوب طارش، قصة ظريفة يرويها دائمًا عن لحنه لقصائد ركيكة، فالمعروف عن أيوب تواضعه الكبير رغم عبقريته الغنائية، ذلك ما جعله يلحن أي قصيدة تصل إليه، وحين لحّن أغنية "عليل امهوى" وأغنية "طائر امغرب" وأسمعها للشاعر الكبير الذي شكل ثنائياً مع أيوب في الكلمات، عبدالله عبدالوهاب نعمان، قال الفضول مبتهجًا: أيوه هذا هو الشعر، مش جالس تلفلف لي كل ما هب ودب.

يمكن للملحنين الجدد وكذلك الفنانين الجدد، الاستفادة من أيوب في عالم اللحن، إذ أنه ذات مرة لحن أغنية لحنًا جميلًا، وفيما يبدو أن الكلمات لم ترق له، فطلب من شاعر أن يكتب قصيدة تتقارب في إيقاعها مع القصيدة الملحنة، وبالفعل، أخذ لحن القصيدة الأولى للقصيدة الجديدة.

على الفنانين أن يستشعروا مسؤولية تمثيل الأغنية اليمنية. "من غثاك"، لن تفهمها فتاة خليجية انجذبت إلى "يا ليالي يا ليالي"، وهذا لا يعني التخلص من الألفاظ الشعبية، بالعكس اللهجة جزء من الهوية، الاهتمام بالمعنى والتحاسين الجمالية هو المطلوب للقصيدة المغناة، أحيانًا تترنم بلحن جميل وفي لحظة تأمل قد تكتشف سذاجة الكلمات وقرفها، أو خلوها من رقة المعنى ورهافة المغنى، وتتأكد كم كان ابن عبدربه محقًا ضرب "قائله خمسمائة سوط، وصانعه أربعمائة، والغنى به ثلاثمائة، والمصغي إليه مائتين".


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك




صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية