الحوثية.. ولعنة التسلط

بين السلطة والتسلط، مسافة إنسانية وكرامة، فالسلطة في جوهرها مشروع تعايش، وتكامل، وأمن، ومواطنة، وحقوق، وحريات، وسمو دائم نحو الكينونة المحترمة والعدالة والرفاه.

والتسلط ثقب أسود يتغذى على مشاعر الكبر، والإقصاء، وبث عوامل الخوف، والكراهية، والانحدار الدائم في سحيق الظلم والانسلاخ من قيم الإنسانية السوية.

إن مهمة السلطة "التوفيق بين المصالح الفردية عبر سلسلة من الإجراءات غير المتحيزة التي يجسدها القانون"، يعيش في ظلها الجميع على قدم المساواة، ويشعر الكل بهويتها الجاذبة، فيؤدون ما عليهم من واجبات، ويتمتعون بما لهم من حقوق، ويظلون على الدوام ينشدون العيش في مستوى العصر، من خلال الولاء للوطن، والتنافس في حمل قضاياه.

أما التسلط فهو لعنة تعمي صاحبها فيظل -أبداً- مندفعاً للاستحواذ والتملك، واستعباد الناس، وسحق كرامتهم، وتسخيرهم لخدمة بقائه متسلطاً على رقابهم، باعتباره حالة فوق بشرية، أو في أحسن الأحول خلاصة العنصر البشري، وإقنيمه المقدس. فهو الدولة، والسلطة، والوطن، وهو سرة الكون، ومحور المصلحة.

وفي ظل لعنة التسلط تزدهر الحروب، وتتسع المقابر، ويسود الفقر، والأوبئة، ومسببات التمزق فيعود الناس إلى هويات ما قبل الدولة، لتلمس الشعور بالذات والحفاظ على ما تبقى لهم من آدمية، ويتبلد قطاع واسع من الشعب، فما يعودون يشعرون بنشوة الانتماء الوطني، ولا تعنيهم القضايا العامة إلا بقدر ما يجبروا على تبنيها، ولا يحسون بالخزي لانتهاك القانون، وضياع الحاضر، وتلاشي المستقبل.

فالتسلط أشبه ما يكون بشركة غير قانونية تلقي بنفاياتها في نهر المدينة الوحيد، فتؤذي المجتمع، لتستفيد هي وحدها، وهي بعبارة أخرى تشبه حليب الحمار غير صالح للاستخدام الآدمي.

وتمثل جماعة الحوثي المسلحة تجسيداً صارخاً للعنة التسلط، حيث عمد زعيم التمرد إلى ادعاء الأحقية بالحكم باعتباره منحه إلهية خالصة وحصرية، ثم شرعت الجماعة وبقوة السلاح إلى إجبار الناس على الاعتراف بقيمة "السيد" الرفيعة كسلالة، وحاكم، في جريمة مزدوجة: تلغي فكرة المواطنة المتساوية، وتصادر حق الجماهير الأصيل في اختيار الحاكم وفقاً لعقد اجتماعي.

وبدافع المنطق الشيطاني -أنا خير منه- انقلبت مليشيا الحوثي على الدولة، واستبدلت صناديق الاقتراع، بصناديق الذخيرة، فاشتعلت الحرب، ونمت الأحقاد، وتمزق النسيج الوطني، وسحقت الحقوق والحريات، وانتشر الخوف، والجشع، وكادت الهوية الوطنية الجامعة أن تغيب.

إن المسوغ الوحيد لمشروع التسلط الحوثي هو إشباع غريزة الكبر الشيطاني، تحت عناوين كاذبة خاطئة، تستدرج الناس إلى جحيم الاحتراب، من أجل "السيد". فيما "السيد" بدوره حلقة في سلسلة آثمة تفضي في النهاية إلى خدمة نظام الملالي في ظهران.


ولقد "أدرك كثير من المنظرين السياسيين مركزية الاعتراف بالمكانة، في عملية الصراع، وكيف أن أهميتها حاسمة في السياسة على وجه الخصوص"، ولهذا السبب اعتقد الفيلسوف هيجل "أن المحرك الأساسي للعملية التاريخية هو النضال من أجل الاعتراف، بداية بالمعركة الدامية البدائية بين متنافسين على من منهما سيكون السيد، ومن سيكون العبد، وانتهاءً بظهور الديمقراطية الحديثة، التي يعترف فيها لكل مواطن بكونه حرا، وبأنه مستحق للمنزلة نفسها التي للجميع.

وبطبيعة الحال فإن الصراع بين البشر من أجل الاعتراف بالمكانة المزعومة مسالة بالغة التعقيد، حيث "يستطيعون توجيه الصراع من أجل الاعتراف إلى الأيدلوجيا، والمعتقدات الدينية" كما هو الحال في جوهر الصراع الاجرامي الذي تخوضه جماعة الحوثي ضد اليمنيين، ومشروع الدولة، الذي يلغي امتيازاتها المحرمة التي تعمل على تسويقها في لباس ديني، لضمان التغرير بالبسطاء، واستثمار العاطفة الدينية لدى عامة الشعب اليمني.

ومن هذا المنطلق تحرص الحركة الحوثية على هدم أسس الدولة، وإقامة حالة التسلط على أنقاض السلطة، وهي أكثر ما تكون عداءً للديمقراطية والمواطنة، إذ أن كليهما نقيض لنهجها، وضدٌ لمشروعها الكهنوتي الدموي.


تبقى الإشارة إلى أن لعنة التسلط بقدر ما تمنح صاحبها مشاعر الزهو على الآخر، ومصادرة حقوقه، فإنها تسجنه في زنزانة الهلع الدائم، وتملأ صدره بدخان الأحقاد، وجثث الضحايا، وتحرمه من متاحات الحياة الطبيعية القائمة على الألفة والاعتماد المتبادل، وتسري حالة الانحباس على المتسلط في مختلف مفردات الحياة، لاسيما على الصعيد السياسي والاجتماعي، وبما أن المتسلط في السياسية خصم للجميع فهو في الاجتماع عنصري، يضع نفسه بعيداً عن حركة الحياة، فيحرم نفسه وسلالته الانفتاح على الآخرين، والتزاوج معهم، فيكثر العظل، وترتفع نسبة العنوسة، وتكثر الجريمة، وفي النهاية وعند وصول المجتمع إلى نقطة اللاعودة يجرفه الطوفان فيذهب كالزبد مثقلا بالجريمة مشفوعا باللعنات.


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك