عن بَيْضةِ ودجاجة الحرب

عادةً ما ترافق أيَّ حربٍ أهليةٍ معركةٌ نقاشيّةٌ جانبية، تدور حول المتسبب الأول فيها. خلالها يذهب كلُّ طرفٍ لتبرئة نفسه من خطيئة السبب الأول الذي قاد إلى كارثة الحرب؛ في سعيٍ حثيثٍ لتحميل الآخر مسؤولية ما يحدث. وتغدو متوالية السببية سمةً رئيسيةً في تلك النقاشات. لكنْ في الغالب، لا تصل تلك المعاركُ الكلاميةُ إلى سببٍ متَّفَقٍ عليه حول من قاد الجميع إلى متاهة الحرب. ومع محاولات البحث في أفعال الحرب وردودِها، يغدو النقاشُ أشبهَ بالمعضلة الشهيرة “من جاء أولاً: البيضة أم الدجاجة؟”. والثابت أن عدم التوقف قبل الحرب، للحيلولة دون انزلاق الأحداث للعنف، هو ما يؤزم الواقع ويجعل الأطراف تُواصل السيرَ حتى تصلَ إلى نتيجة المواجهات العنيفة. ومع التأكيد على أهمية التفتيش عن مسببات الحرب، كمقدمةٍ لوضع آليات المعالجة ووضعِ سبلِ الوقاية من مثيلاتها مستقبلًا، إلا أنه، خلال فترة دموية الحرب وتساقط الضحايا المستمر، يبدو الحديث عمن أطلق جمرة الحرب الأولى، حديثاً فاقداً للقيمة، أقله من الناحية العملية. لأن النزاع حينذاك يكون قد تدحرج إلى مساحاتٍ جديدةٍ باتت تولّد كلَّ يومٍ أسباباً متعددةً لاستمرار وتغذية الأعمال العدائية. ويصبح كلُّ انتهاكٍ، يُرافق مسيرة الصراع، دائرةَ حربٍ مكتملةٍ تحْمل أسبابَها ودوافعَها الخاصة. وبالتالي، يبدو موضوعُ تكاثر دوائر الحرب هو ما يستحق النقاش والمداولة؛ أي: كيف يمكن تحجيمُ هذا المتوالية من التكاثر وإيقاف تفريخ الأسباب، وليس تبديد الوقت في خوضِ معركةٍ جانبيةٍ للإجابة عن سؤالٍ مسحوبٍ بأثرٍ رجعيّ. الحقيقة، أن الحروب الأهليّة ظاهرةٌ بالغةُ التعقيد يتداخل فيها العديد من الأسباب الاجتماعيّة، النفسيّة، الاقتصاديّة، وقبل كل ذلك السياسيّة. الثابتُ فيها أن كلَّ كيانٍ يسعى إلى الحصول على وضعٍ مثاليٍّ، في نظره، يحقق من خلاله تطلعاتِهِ التي يصبو إليها، ويحاول أن يدفع الخطر الذي تُولّده دائرة المخاوف لديه. لبعض الأطراف، خصوصاً تلك المفتونة بقوّتها، تبدو الحربُ للوهلة الأولى خطَّ سيرٍ مختصراً؛ ترى أنها تُحقق لها الكثيرَ من تلك التطلعات في وقتٍ أقصر. بيد أنها في الواقع، تمتد كمحرقةٍ لا حدود لها، تُخلِّف العديدَ من الضحايا، من داخلها وخارجها، وتخلق حالةً من عدم الاستقرار المستمر. في الوقت آنِه، تمثل حالةً خطرةً من الفشل، والتي تصيب بعض المجتمعات، فتُعلّق فيها مسارات التفاهمات الناعمة. ويصبح خطُّ النار هو الطريق للتعبير عن الحاجات والمخاوف. هذا لا يعني أن نُغفل نطاق الفئات التي تتأثر بتلك الحروب من المدنيين، الذين يدفعون فاتورة باهظة الثمن، إما لعدوانية الأطراف المتصارعة التي لا تكترث للخسائر الإنسانية، أو لأن هذه الفئات تجمعهم انتماءاتٌ مشتركةٌ مع أطراف الصراع؛ وبالتالي يصبحون عرضة للانتهاكات الجسيمة. هذا الأمر يدفع البعض ممّن رفض الحرب عند بداياتها، يصبح –مجبراً- جزءاً منها؛ لأن الانتهاكات التي مورست ضده خلقت لديه أسباباً كافيةً لخوض الحرب. هذه الأسباب قد لا يكون لها علاقةٌ البتةَ في السببية الرئيسية للحرب. تقع الأجزاءُ الأكثرُ سوداويةً في الحروب الأهلية حين تَدْرُجُ إلى بنك أسبابها أسبابٌ خارجية، فتصبح حروباً هجينةً بلا ملامح، تضيع فيها السببية الأصلية وتتبدّل دوافعُها بأخرى. في هذه الحالة، تصبح الأطرافُ المشاركة في الحروب لا تعرف عند أيّ حدٍّ تتوقف؛ لأن الصراع لذات الصراع يصبح السمة المهيمنة على مجريات الأحداث، وتصبح قراراتُ السِّلْم والحرب بِيَدِ أطرافٍ خارجيةٍ لا ترى سياقاتِ الصراع إلا من خلال مصالحها الخاصة، وليس لمصلحة حالة السلم العام في المجتمع الذي تدور فيه الحرب. ولأن الصراع بعيدٌ عن أراضيها، فهي لا يهمُّها زمنُ التوقف في العادة. ثمةَ فقاسةٌ للمصالح تولّدها تلك الحروب، تصبح مع مرور الوقت السببية الأكثر منطقية؛ وهي المصالح والعائدات التي يجنيها أمراء تلك الحروب. فطول أمَدِ الحرب يُنتج ديناميكياتٍ جديدةً تولّد شبكةَ مصالحَ تستفيد منها القياداتُ المنخرطة فيها. ويؤدي دوامُ الحرب إلى عائداتٍ أكبر. وتوقُّفُها لا يعني سوى توقف المصالح والعائدات. لذا تجْمَعُ أمراءَ الحروب من الأطراف المتصارعة أسبابٌ مشتركةٌ تجعلهم يحافظون على حيوية الصراعات، والعمل على الحيلولة دون إنهائها. في العودة إلى الإجابة عن معضلة بيضة ودجاجة الصراع، قد ربما لا نعرف أيهما جاء أولاً عند اندلاع الحرب؛ لكن الوقائع تثبت لنا أن بيضة المصلحة ودجاجتها يأتيان سوياً في أولوية أمراء الحرب، الذين لا يكترثون لأرقام الضحايا مهما امتدّت. نُشر هذا المقال على منصة خيوط

شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك